أبي منصور الماتريدي

130

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ونجرها لم يكن ليعرف أن كيف يتخذ وكيف ينجر ، إنما عرف ذلك بتعليم الله إياه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ : هذا يحتمل وجهين . يحتمل أي : لا تشفع إلي في نجاة الذين ظلموا فإنهم مغرقون في حكم الله . والثاني : لا تخاطبني في هداية الذين هم في حكم الله أنهم يموتون ظلمة ، أي : لا تسألني إيمان من في علم الله أنه لا يؤمن ، وفيه نهي السؤال عما في علم الله أنه لا يكون ؛ لأنه إذا أخبر أنه لا يكون أو لا يفعل فإذا سأله كان يسأله أن يكذب خبره الذي أخبر أنه لا يكون ، وفيه أنه إذا أراد الله إيمان أحد آمن ، ومن لم يرد إيمانه لم « 1 » يؤمن . وقوله - عزّ وجل - : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ : الملأ هم الأشراف والرؤساء من قومه . سَخِرُوا مِنْهُ : هم الذين سخروا منه ، قال بعضهم : سخريتهم منه أن قالوا : صار نجارا بعد ما ادعى لنفسه الرسالة « 2 » . وقال بعضهم : سخريتهم منه لما رأوه يتخذ الفلك ، ولم يكن هنالك بحر ولا واد ولا مياه جارية ، إنما هي آبار لهم فقالوا : يتخذوا السفينة ليسيرها في البراري والمفاوز ونحوه من الكلام « 3 » . وقال : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ وقالوا : سخريته منهم أنه إذا ركبوا الفلك رأوهم يغرقون ، قالوا : كنت على حق وعلى هدى ونحوه من الكلام ، لكن هذا لا نعلمه ولا حاجة لنا إلى معرفة سخريتهم أن كيف كانت سوى أن فيه سخروا منه . ويحتمل قوله : فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ أي : نجزيهم جزاء سخريتهم . وقوله : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ : هو وعيد ، أي : سوف تعلمون أن حاصل سخريتكم رجع إليكم ؛ كقوله : وَما يَخْدَعُونَ . . . الآية [ البقرة : 9 ] ، أي : سوف تعلمون إذا نجونا نحن ، وغرقتم أنتم من يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي : عذاب يفضحه ويهلكه وهو

--> ( 1 ) في أ : لا . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 36 ) ( 18152 ) عن عبيد بن عمير الليثي ، وذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 382 ) . ( 3 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 7 / 35 ) ( 18148 ) عن عائشة مرفوعا ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 593 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ ، والحاكم وصححه ، وضعفه الذهبي وابن مردويه عن عائشة مرفوعا ، ولإسحاق بن بشير وابن عساكر عن ابن عباس .